عن المدونة

بالرغم من أن أزمة السكن تعتبر من المشاكل الأكثر خطورة إجتماعياً، غير أن تعاطي الدولة تاريخيا في مسألة توفير السكن لذوي الدخل المنخفض والأسر ذات الدخل المتوسط، كان بمثابة الحدّ الأدنى من التدخّل.

تنتشر في بيروت ورش بناء تمزق الأحياء وتجردها من خصائصها العمرانية والاجتماعية والتاريخية. الأبنية القديمة والتي يشغرها قاطنيها منذ عقود يتم إخلاءها وهدمها في معظم الأحيان في مختلف أحياء بيروت الإدارية لتستبدل بأبراج تحتوي على شقق فخمة. يوجه عملية البناء تلك مجموعة قوانين واجراءات، ويدعمها سياسة نيوليبرالية وخطاب الدولة العاجزة أمام الواقع الاجتماعي/السياسي.
الأمكنة وفضاء المدينة أصبحت للدولة أرض تخضع لقوانينها، وآليات السوق، وتشريعاتها تماما بالوقت التي تنفي فيه قدرتها على رسم سياسة عمرانية طويلة الأمد. فمن يصيغ القوانين العمرانية هم أصحاب شركات عقارية ومصارف وتجار بناء وبالتالي تلتزم مصالح أصحاب رأس المال عند التشريع.
اصبحت روايات الطوائف المتعددة والسيادة المنقوصة حجة لرسم سياسات نيوليبرالية، ووسيلة لإعادة إنتاج استحالة سيادة الدولة. تم بناء صورة لبنان كبلد مثالي للإستثمار وفي تأمين الخدمات ولتحقيق ذلك أصدرت الدولة منذ نشأتها سلسلة قوانين تتماشى مع السياسة الإقتصادية للبلد، كالإعفاء الضريبي وسرية المصارف. أما في التعامل مع الحاجة الملحة للسكن في لبنان، وخصوصاً في مدينة بيروت وضواحيها، منذ خمسينات القرن الماضي مع إزدياد مفاجىء للسكان في بيروت حيث وصل عددهم في منتصف السبعينات الى حوالي نصف سكان لبنان، فأصدرت الدولة وما زالت قوانين ومراسيم تشجع القطاع الخاص على مشاركتها مسؤولية تأمين السكن. نتيجة ذلك كان عدم التطابق بين البيوت «الفخمة» المتوفرة ودخل الأسرة، بينما توسعت رقعة التجمعات السكنية الغير رسمية، حيث حق بالسكن اللائق منقوص.

تداول موضوع السكن في لبنان يعني التعاطي مع العوامل التي تنتج فضاء المدينة‪،‬ خصائص الأمكنة، النسيج العمراني والإجتماعي، ادعاءات الملكية، سوق العمل، المنظومة الأمنية، شبكة المواصلات، الخدمات، والحكم المحلي. وهذه جميعها مفاهيم وممارسات أساسية تؤثر على حياتنا اليومية. السياسات السكنية والعمرانية في لبنان لا توفر السكن اللائق مع نمو المدن،  تُرسم المزيد من خطوط التماس بين الأحياء، وتنتهك النسيج الإجتماعي والعمراني والعلاقات الإقتصادية المحلية.

ومع أهمية إعادة النظر في السياسات وتحديد الممارسات التي تنتهك الحق في السكن ولا تستوفي شروط السكن اللائق، فلا نجد أي نشاط مدني ينطلق من ذلك ليبني وعياً جديداً عن مدننا وأحياءنا. فإذا حاولنا البحث عن «الحق في السكن في لبنان» على غوغل لن ننل نتائج على غرار وزارة الإسكان الظل في مصر أو المنظمة التونسية للدفاع عن الحق في السكن.

تهدف هذه المدونة الى فهم وضع السكن في المدن اللبنانية من خلال عدة مداخل أهمها في هذه المرحلة:

 الإيجارات:
وقوع مبنى فسوح في منطقة الأشرفية كان المأساة الأكبر الذي عاد ليسلط الضوء على ما يجري في مدننا من استهتار بحياة الناس. ومع ذلك فإن النقاش عموماً اختصر بلوم ما حصل على قانون الإيجارات القديم، مع أن بناء فسوح كان مخالفاً في البناء وملاصقاً لورشة بناء جديدة. فمسألة السكن في لبنان، وخصوصاً في المدن الرئيسية لا تختصر بإشكالية قانون الإيجارات القديم بحد ذاته، ويمكننا فهم شروط السكن التي تّفرض في أحياءنا من خلال قصص إخلاء المستأجرين القدامى والإجراءات المعتمدة والمفاوضات المتممة وعلاقات القوى المحلية والظروف التي احاطت استإجار بيوتهم في العقود الماضية. كما ان روايات السكن من خلال عقود الإيجارات الجديدة يفتح النقاش أيضاً عن توجّه مدننا.

من يطرح الحق في السكن في لبنان لجان وتجمعات تشكلت نتيجة لقانون الإيجارات القديم، أبرزها لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين وتجمع مالكي الأبنية المؤجرة. تعمل هذه المجموعات على بناء خطاب عام يدفع نحو تغيير قوانين الإيجارات. سيكون هنالك في هذه المدونة مساحة لمواكبة نشاطات تلك المجموعات ورؤيتها لمسألة السكن انطلاقاً من مصالحها، في ظل السياسات الإقتصادية والمالية والتنموية، لربط النقاش العام بالتحركات المدنية.

البناء الغير الرسمي:
لا يوجد تعريف رسمي للأحياء الفقيرة أو بما يسمى الأماكن الغير رسمية في لبنان‫، أو كما يسمونها الناشطون في مصر أماكن «المجهودات الذاتية». دراسة عن هذه الأحياء تبين عدم إعتراف الدولة بتعدد خصائص المناطق الفقيرة وحصر الإشارة إليها بالخطاب الرسمي كنتاج الحرب الأهلية والإشارة الى أهلها كنازحين مؤقتين. تشير الدراسة الى ثلاث خصائص رئيسية لأماكن المجهودات الذاتية: أماكن بدأت كمخيمات لجوء، أماكن بدأت كمناطق سكنية للمهاجرين من الأرياف بالقرب من المخيمات أو في الضواحي مخالفة لقوانين البناء، أو مناطق إستيطان حيث حقوق الملكية متنازع عليها، وأخيراً أماكن بدأ الاستيطان فيها خلال الحرب الأهلية. في الخطاب العام للدولة هذه الأماكن هي مناطق غير شرعية بمعظمها أو غير رسمية لا تنطوي ضمن صورة المسار التي تسلكه مدينة بيروت.
تنتشر هذه الأحياء في أطراف بيروت وكذلك ضمن بيروت الإدارية.
هنالك مشاريع تّرسم لإستثمار الأراضي حيث هذه التجمعات ضمن بيروت الإدارية وإخلاء قاطنيها. أما تلك التي على أطراف المدينة فالإهمال لها منذ عقود أدى الى كارثة حديثة، حيث تضرر نحو ألف منزل في حي السلم جراء العاصفة.

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s