الأرشيف الشهري: مارس 2015

إطلاق ورشة العمل على قانون لضمان حق السكن

بمناسبة مرور سنة على قانون الإيجارات، نظمت ثلاث جمعيات مدنية متخصصة (المفكرة القانونية، الجمعية الإقتصادية اللبنانية، استوديو أشغال عامة) مؤتمراً صحافياً مشتركاً في مقر المفكرة القانونية لتقويم ما أدت إليه الآليات التطبيقية «الكارثية» لهذا القانون وإقترحت وقف العمل فيه وإقرار مشروع مؤقت يمدد لعقود الإيجارات المبرمة قبل 23 تموز 1992 – لحين بلورة مشروع قانون يضمن حق السكن، بإعتبار هذا الأخير حق أساسي من حقوق الإنسان، وقد كرسه أخيراً المجلس الدستوري.‬

خلال المؤتمر تم الإعلان عن بدء مسيرة العمل على مشروع القانون المقترح من خلال عملية تشاركية وشفافة، بمثابة ورشة عمل كبيرة، تنطلق عجلتها في شهر أيار. تشرك مجموعة الورش أكبر عدد من الإختصاصيين والجمعيات المهتمة كما السكان المعنيين بهدف وضع حق السكن في مقدمة النقاش العام وضمان معالجته من دون تمييز أو اجتزاء، للوصول الى سياسة سكنية عادلة تأخذ بعين الإعتبار كامل أطياف المجتمع اللبناني.

اليكم مقتطفات من الكلمات التي ألقيت خلال المؤتمر الصحفي اليوم، ٣١ آذار ٢٠١٥، وصورة عن المنشور الذي تم توزيعه.


بداية، ألقى نزار صاغية كلمة المفكرة القانونية:
صحيح أن قانون الايجارات القديمة أصبح غير عادل منذ تدني قيمة العملة الوطنية في منتصف الثمانينات. صحيح أنه ضمن حق السكن بشروط غير متكافئة، فظُلم مالكون واستفاد منه مستأجرون من ذوي المداخيل المرتفعة جدا. ولكن، في فترة اعداد القانون الجديد، كان يتعين أن يُعاد تحديد الشروط بشكل عادل، وفي حال الغاء الضمانة المعطاة للمستأجرين القدامى، استبدالها بضمانة موازية. وفي مطلق الأحوال، كان يتعين أن تفكّر الدولة بكيفية تحملها مسؤولية ضمان السكن للمواطنين على نحو يتناسب مع مداخيلهم، ضمن سياسة اسكانية للجميع وليس فقط للمستأجرين القدامى.

ما حصل هو تحرير المالك من عبء الاسكان من دون أن تأخذ الدولة على عاتقها هذا العبء الا بشكل مجتزأ، ملتبس، غير كاف وربما وهمي، مع ما يحتمل ذلك من أهداف خفية أو غير معلنة على صعيد الاستثمارات أو الفرز الطائفي والطبقي. وبالنتيجة، تم تجريد المستأجر من ضمانة السكن المتمثلة بالتمديد القانوني، من دون أن يُعطى أي ضمانات بديلة موازية.

فالأمران اللذين وضعا تخفيفا على المستأجرين القدامى هما:

وبالطبع، تم وضع السياسة الاسكانية جانبا واستئخار التفكير فيها بحجة ضرورة انصاف المالك بسرعة.

ردود الفعل على هذا القانون جاءت صحية أكثر من مناقشته: فحق السكن الذي كان مغيباً، برز بشكل قوي ليس فقط في الخطاب العام انما أيضا في الكتابات الفقهية وبشكل خاص في القرار الصادر عن المجلس الدستوري. وهو حق لا تقل قيمته الدستورية عن حق الملكية. وهكذا، ومقابل قانونٍ عمد الى تقديس حق الملكية، ذهب الخطاب العام الى ابراز حق كان منسيا (هو حق السكن) الذي على الدولة أن تصونه. ومبادرتنا اليوم تأتي كتتمة وتكليل لهذا الخطاب العام، لتمنهج ردود الأفعال وتعمقها وتمأسسها ليس فقط للمستأجرين القدامى بل لجميع المواطنين من دون استثناء.

فمن دون التقليل من أهمية انصاف المالكين (والمقصود المالكين القدامى حقيقة)، يتعين الاقرار بأن العمل التشريعي أتى مبتورا ومبنيّا على معطيات مجتزأة وأحيانا غير صحيحة، بمعزل عن الضوابط الحقوقية الضرورية. ومن هنا، وتصويبا للمسار، وفي ظل تفاقم الأزمة السكانية الراهنة، بدا ضروريا العمل على النحو الآتي:

  • اعتماد الشمولية في التشريع في اتجاه اقرار قانون موحد يتضمن أسس السياسة الاسكانية المراد ارساؤها كافة، وعلى أن يشكّل تنظيم الايجارات القديمة فصلا من فصوله. والفائدة من وضع مشروع قانون مماثل تتأتى من اعادة حق السكن الى واجهة التشريع والخطاب العام، وفي الاسهام في فرض رؤية أكثر شمولية وتكاملا وعدلا. ومن المهم أن تتمّ صياغة هذا القانون بشكل تشاركي ومنهجي ومتعدد الاختصاصات تعزيزا للمعرفة والتفاعل والتخاطب الاجتماعيين في هذا الشأن. ومن الأسئلة الواجب التحري عن أجوبة لها، الآتية:
    • ما هي السبل الممكن اعتمادها لضمان حق السكن للمواطنين في مختلف فئاتهم؟
    • ما هي مسؤولية الدولة في تنظيم سوق الايجارات ضمانا لبدلات عادلة تتناسب مع معدل دخل الأفراد والعائلات؟
    • ما هي سبل تدخلها في سوق الايجارات، سواء للتأثير على العرض والطلب، أو لتحديد حد أقصى لبدلات الايجار في مناطق معينة؟ وما هي الشروط المؤسساتية والحوافز الضريبية الملائمة في هذا الاطار؟
    • ما هي مسؤولية الدولة في تأمين سكن لائق للفئات الهشة؟ وما هي امكانات الدولة في هذا المجال؟ وما هي الضوابط الواجب توفيرها ضمانا لمبدأ المساواة أمام القانون؟
    • ما هي العلاقة بين السياسة الاسكانية وسائر سياسات الدولة في مجال التنظيم المدني والدمج الاجتماعي؟ وما هي الضوابط الضرورية في هذا المجال؟
    • وبخصوص الايجارات القديمة، من هم المالكون القدامى؟ ومع التسليم أن كثيرا منهم تعرضوا للظلم، فهل ينطبق هذا الأمر على كبار المتعهدين الذين اشتروا مؤخرا شققا وأبنية مؤجرة اجارة قديمة بنصف ثمنها؟ وما هي نسبة هؤلاء؟ وهل يتعين معاملة هؤلاء بالتساوي مع سائر المالكين؟ ومن هم المستأجرون القدامى؟ هل هم فئة واحدة؟ وفيما أن بامكان بعضهم التجاوب مع شروط السوق من دون أي حاجة لتمديد زمني، ثمة فئات أخرى لا موارد هامة لها، كالمتقاعدين أو كبار السن أو المعوقين، وينتظر ان تقل مواردها مع مرور الزمن، مما يفرض حلولا مختلفة بشأنها.
    • وما الى ذلك، من أسئلة ضرورية لوضع القانون المذكور.
  • بانتظار وضع قانون مماثل مع ما يفترضه من منهجية وفق ما أشرنا اليه أعلاه، الغاء قانون الايجارات الصادر في حزيران 2014 ووضع قانون مؤقت بتمديد عقود الايجارات المبرمة قبل 23 تموز 1992، على أن يتضمن أفكارا تصحيحية، انصافا للمالك القديم.

كلمة الجمعية الاقتصادية اللبنانية، ألقتها كوثر دارا:
أبرز المشاكل التي تواجه الإسكان في لبنان:

غياب الاستراتيجيات الاسكانية: ان الازمة الاسكانية ليست جديدة بل هي تعود الى حكومات ما بعد الاستقلال، ولكنها باتت الآن أكثر حدة مع تزايد عدد السكان وتزايد النزوح نحو المدن وتهميش المناطق الطرفية. وقد اقتصرت المعالجات في الماضي على «ردات فعل» لمعالجة الأزمات الطارئة ولم يصر يوماً الى معالجة جذرية مرتكزة الى مخططات شاملة تأخذ في الاعتبار النمو الديموغرافي والتطور المديني. ونذكر كمثل على هذه المعالجات المؤسسة العامة للاسكان ومصرف الإسكان لمعالجة تمويل تملك المنازل لفئات الدخل المتدني. إضافة الى وزارة المهجرين وصندوق المهجري لمعالجة إيجاد مسكان لمهجري الجرب اللبنانية، إضافة الى الهيئة العليا للإغاثة في حالات الأزمات مثل الاعتداءات والتفجيرات وغيرها.

ارتفاع الأسعار واختلال آليات السوق: على الرغم من الارتفاع الواضح في حجم العرض من الوحدات السكنية لا سيما في بيروت والضواحي والجمود الكبير في الطلب، فلا تزال اسعار الشراء مرتفعة جداً لا سيما للفئات الجتماعية ذات الدخل المتوسط والتي لا تستطيع فعلياً أن تستفيد من آليات التمويل المتاحة حالياً.

ارتفاع حصة انفاق الاسر على المسكن ومشتقاته: تعد هذه النسبة في لبنان من الأكثر ارتفاعاً في المنطقة بحيث تصل الى 25 في المئة من اجمالي ميزانية الأسرة.

ان الجمعية الاقتصادية اللبنانية سوف تواكب هذا المشروع وستوفر الامكانات البشرية الضرورية لانجاز الدراسات الاقتصادية والمالية اللازمة.


كلمة أشغال العامة، ألقتها نادين بكداش:
عطفا على ما تقدم، بعد أن كرس مؤخرا المجلس الدستوري حق السكن، ترى الهيئات الثلاث ضرورة ماسة لبلورة مفهوم الحق في السكن في لبنان، كمفهوم أساسي من حقوق الإنسان، ورسم السياسات المتعلقة به.

في لبنان يتم إنتهاك فادح لحق السكن نتيجة لسياسات ورؤى اتبعتها الدولة اللبنانية، خصوصا منذ أوائل سنوات التسعينات أدّت الى الإرتفاع الهائل لثمن الأراضي والمضاربات العقارية التي جعلت من بيروت أغلى مدينة عربية، مما يؤثر سلباً على التنمية بالمعنى الإقتصادي: حيث تشجع هذه السياسات على توظيف الأموال في العقار للحصول على الكسب السريع والمرتفع بدون جهد بدلاً من توظيفها في قطاعات منتجة كالصناعة والسياحة والزراعة (محمد فواز). كما أنها تؤدي، في ظل غياب أي توجيهات للبناء في لبنان الى طمس التاريخ الإجتماعي للمدن، ضرب النواة الإقتصادية للأحياء التقليدية، والإستخفاف بحقوق سكان المدينة من مساحات مشتركة وبيئة ملائمة للعيش تستوعب جميع أطياف المجتمع.

وعند تقديم «الحلول»، تكون «حلول» وهمية ومؤذية في موضوع السكن في ظل غياب دراسات تعطي صورة واضحة عن المتأثرين من قوانين تصدرها الدولة، ومنهم الشباب والشابات الباحثين عن السكن، كبار السن وذوي الدخول المتدنية وذوي الإحتياجات الخاصة وحاملين جنسيات أخرى.

فالعمل على قانون يضمن حق السكن في لبنان يجب أن يشمل محاور عدة، أهملتها لعقود السياسات السكنية المتعاقبة، أهمها:
سياسة إنمائية متوازنة، توجهات للنمو العمراني، وتأمين وسائل النقل بين المناطق / سياسة إسكانية، مثل إعادة النظر في آليات التسليف، توفير أراضي لمشاريع سكنية، حق التدخل الدولة في سوق الايجارات، وتحديدا في الحرية التعاقدية بين المؤجر والمستأجر / سياسة عقارية تحد من أضرار المضاربات العقارية في أسعار الأراضي وتحفز عرض الشقق الشاغرة للإيجار.

ستوجه الجهات المبادرة دعوة عامة للمهتمين الى ورشة عمل تقام في أوائل شهر أيار، لوضع خطة العمل ومناقشتها. كما ستوجه دعوات لأصحاب الإختصاص للإنضمام الى نقاشات محددة حسب المحاور المختلفة.

المنشور الذي تم توزيعه خلال المؤتمر الصحفي لإطلاق ورشة العمل على «قانون الحق في السكن»

Advertisements