الأرشيف الشهري: يناير 2013

أزمة السكن وقانون الإيجارات

إشكالية قوانين الإيجارات
بدأت أزمة السكن في لبنان، وخصوصاً في مدينة بيروت وضواحيها، منذ خمسينات القرن الماضي مع غياب لسياسات إسكانية وإزدياد مفاجىء للسكان في بيروت حيث وصل عددهم في منتصف السبعينات الى حوالي نصف سكان لبنان. حينها كان واضحاً عدم التطابق بين البيوت المتوفرة ودخل الأسرة، بينما توسعت رقعة التجمعات السكنية الغير رسمية.
في السبعينات كان لبيروت أقّل نسبة تملّك مقارنة بالعواصم الأخرى في المنطقة، حيث كان ٧٧٪ من السكان مستأجرين و١٧٪ مالكون. نظمت عقود الإيجار من الأربعينات حتى سنة ١٩٩٢ على مبدأ ضبط الإيجارات وفق ما يسمى الآن «قانون الإيجارالقديم»، الذي هو نقيض التعاقد الحر المفعول به الآن للإيجارات الجديدة.
تم وضع قانون ضبط الإيجارات في البلدان الأوروبية والأميركية لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى حيث ارتفعت قيمة الإيجارات في ظل أزمة سكن عارمة. وفيما كانت علاقة المستأجر مع المالك تعاقدية بحتة، أي يسترد المالك ملكه مع انتهاء أو ابطال العقد، أعطى قانون ضبط الإيجارات حماية للمستأجر من الطرد وحصر الإخلاء بشروط محددة. الفوائد المباشرة التي نتجت من ضبط الإيجارات في تأمين سكن شرعي لفئة واسعة من المواطنين مرتبطة بمفهوم الدولة كمصدر لتحقيق العدالة الإجتماعية بين مواطنيها وفي تبني مبدأ التكافل الإجتماعي.
من ناحية أخرى، فإن ضبط الإيجارات وفّر عموماً إقامة أنماط سكن مستقرة، التي هي أساس لبناء رأس مال اجتماعي في بيئة حضرية. فالقيمة الإجتماعية للمكان يتم تهميشها، في التوجهات النيوليبرالية للدولة، حيث يخضع الفضاء المديني لسياسات وتشريعات تدمّر وضعه التاريخي وتجرده من الفروقات لتهتم بمزاياه المتعلقة بحجمه، عرضه، موقعه، ومردوده المالي.
للقوانين والتشريعات المتعلقة بعقود الإيجار دور هام في تشكيل المشهد الحضري لبيروت.
قبل الثمانينات من القرن الماضي كان سوق الإيجارات منتعش وكان يشكل دخلاً أساسياً للملاكين لحين انهيار قيمة العملة اللبنانية سنة ١٩٨٤.
إلا أن أزمة السكن وعدم توفّر بيوت لذوي الدخل المحدود كانت منذ الخمسينات حال المدن الكبرى وخصوصا العاصمة حيث تشكل في الضواحي وبالقرب من المخيمات الفلسطينية أماكن بدأت كمناطق سكنية للمهاجرين من الأرياف مخالفة لقوانين البناء، أو مناطق إستيطان حيث حقوق الملكية متنازع عليها ومن ثم أماكن بدأ السكن فيها خلال الحرب الأهلية. أما الخطاب العام للدولة فيشير الى تلك المناطق على أنها غير شرعية أو غير رسمية دون الخوض في إختلاف سبل تشكلها تاريخياً، فهي على فروقاتها لا تنطوي ضمن صورة المسار التي تسلكه مدينة بيروت.

قدّم مفهوم «الإيجار العادل» في سنة ١٩٦٢ تحت حكم فؤاد شهاب، الذي أتى بمشروع يربط الخطط الإقتصادية مع التنمية، العدالة الإجتماعية والوحدة الوطنية. وكان مشروع شهاب يعني باستخدام النفقات العامة لتحقيق النمو الإقتصادي، ونقلة نوعية من السياسات المالية السابقة. وكانت الخطة السكنية أن يتم بناء مساكن لذوي الدخل المحدود وللفقراء للبيع وفق تقسيطات مالية طويلة الأمد أو من خلال تأجير وحدات سكنية وفق الإيجار العادل. وفي المقابل قُدّم تعديل على قانون الإيجارات حيث سمح بالتعاقد الحر للوحدات السكنية الجديدة التي تعتبر «فخمة». نتج عن هذا التعديل، ولهشاشة المعايير المتعلقة بالمصطلح، ميل كبير لبناء جديد يصنّق على أساس «شقق فخمة» لا يتحمل تكلفتها حتى الطبقة الوسطى.
إلا أن في سنة ١٩٧٣ عادت واندرجت الشقق الفخمة تحت قانون إيجار واحد.
لجأت الدولة دائماً الى القطاع الخاص لكي يساهم في إنعاش سوق الإسكان. فنتج عن ذلك‪ ‬سلسلة قوانين وتشريعات تحمل في طياتها توفير السكن للطرف الأدنى من السوق، ولكنها بذلك أعطت تحفيذات لبناء مشاريع إسكانية للأغنياء.
قبل الحرب، استأجرت الطبقة الوسطى في المدينة متى استطاعت، في ظل استقرار أمني واقتصادي نسبي، خصوصا أن التحفيذات للتملك لم تكن شائعة وقتها. خلال الحرب اختلفت صيغة الإيجارات فقد هاجر العديد من السكان، وترك الأجانب البلد، وتهجّر العديد من مناطق مختلفة. ممّا أدّى الى عرض الشقق للإيجار خوفاً من إحتلالها وبدأ خلق تقسيمات جغرافية على أساس المذاهب. العديد من العقود المبرمة بين عامي ١٩٨٤ و١٩٩٢ كانت تحصل بعد أن يدفع المستأجر للمالك بدل خلو للتعويض عن قيمة الإيجار الزهيدة، كما أن العديد من العقود أبرمت بعملة الدولار.

تغيير القانون
صدر منذ العام ١٩٣٦ وحتى الآن أكثر من ٤٠ قانوناً ومرسوماً وقراراً من أجل تنظيم العلاقة التعاقدية بين المالك والمستأجر.

حاولت الدولة أول مرّة إصدار قانون طوارىء سنة ١٩٨٣ لمعالجة تداعيات إنهيار العملة على قيمة بدل الإيجار ولكنها جوبهت بردة فعل قوية من قبل النقابات والأحزاب ومجموعات نيابية والهيئات الشعبية في ظل غلاء المعيشة والوضع الإقتصادي الصعب.
في عام 1992، حاولت الدولة استبدال قانون الإيجار بقانون جديد، الا أن إضرابات عمّت المدن رفضاً لذلك. جمدت الدولة تصحيح الأجور منذ العام ١٩٩٤ وأصدرت عندها قانون جديد للإيجارات يحدد مدة عقد الإيجار الجديد لثلاث سنوات لا يلزم المالك بنسبة محددة في زيادة الإيجارات، وظلت العقود المبرمة قبل عام 1992 سارية المفعول تحت القانون القديم، الذي مدد العمل به ١٢ مرة منذ العام ١٩٩٦.
كل مرة ينتخب مجلس نيابي جديد يتم دراسة أوتداول قانون جديد للإيجار من قبل وزراء العدل ولجان الإدارة والعدل النيابية المتعاقبة. وفي كل مرة يختلف القانون المقترح في مقاربته للتعويضات التي وجب إعطاءها مقابل تحرير العقد القديم، جدولة الإخلاء، وصيغة الإيجار التملكي لإعطاء فرصة لبقاء المستأجر مع ضمان مردود مالي للمالك.
فجميع القوانين تصاغ وهي تبدأ بجملة “على أن يجري إعداد خطة سكنية…” ولكنها تستند الى المعطيات الآنية لقيمة العقارات ومصالح تجّار البناء والمقاولين وليس الى الوضع الإجتماعي الإقتصادي للمستأجرين. وقد أصبحت الدولة تصيغ قوانين تدير وتنظّم الصراع الناتج بين المالك والمستأجر جرّاء المضاربات العقارية، بدل إقرار الخطة السكنية الملحّة.

كما أن قوانين البناء، وخصوصاً قانون ٢٠٠٤، حفّذت تجارة العقارات مع رفع عامل الإستثمار وتشجيع تشكيل شركات عقارية. ويتم بناء الأبراج والمنتجعات السياحية والفنادق وفق مراسيم استثنائية، مستترة بشعار «المصلحة العامة»، تدر بالمال الى أصحاب القرار قتتخطى البلديات وقوانين التنظيم المدني لتؤمن مصلحة المستثمر.

تداول مؤخراَ «مشروع خاص بإيجار الأماكن السكبنية المؤجرة قبل ٢٣/٧/١٩٩٢» صيغة الاماكن الس كنية 11-4-12 من قبل لجنة الإدارة والعدل النيابية، يهدف الى تحرير عقود الإيجار من خلال آلية مقترحة لا تتناسب مع أزمة الحصول على سكن بديل ضمن سياسات الدولة التنموية.

Advertisements